عطائيات – الحكمة 1


حمد لله على جزيل نعمائه، وأشكره شكر المعترف بمننه وآله وأصلي وأسلم على صفوة أنبيائه وعلى أوليائه وأتقيائه.

يقول ابن عطاء الله:

"مِنْ عَلامةِ الاعْتِمادِ على الْعَمَلِ نُقصانُ الرَّجاءِ عند وجودِ الزَّلَلِ".

هذه الحكمة التي افتتح بها الإمام ابن عطاء الله تأليفه تتعلق بمسائل العقيدة والتوحيد، وقد بيَّن ابن عطاء الله فيها أن من علامة أهل الصدق والتوحيد الاعتماد على الله تعالى والاستناد على توفيقه، لا على أعمالهم، لأنهم يعلمون أن الموفّق هو الله تعالى، وأن الناس مهما بلغوا من العمل، قليله أو كثيره، فإنهم لا يخرجون عن دائرة تصريف الله، وجريان قدره وقضائه عليهم، فهم في كل الأحوال لا ينظرون إلى أنفسهم، ولا يغترون بقدرة منهم ولا قوة، قلوبهم ناظرة إلى سابق علمه تعالى، مطمئنة بما يجري من أقداره، لا ينقص خوفهم باجتناب الإساءة والمعصية، ولا يزيد رجاؤهم بما يعملون من الإحسان والطاعة، وهذا حال المؤمنين لا يغترون بطاعة لأنهم يرون أنها من الله وإليه، لا يقنطون بسبب زلة، قلوبهم متعلقة بالله في كل الأحوال، في الشدة والرخاء، وفي المنع والعطاء.

وأما غير الصادقين فإنهم سجناء نفوسهم ورسومهم، نسبوا أعمالهم إلى ذواتهم، ووقعوا فريسة مطامع أنفسهم، وأسرى جهلهم، إذا وقعوا في زلة نقص منهم الرجاء في رحمة رب البريئة، وإذا عملوا بطاعة أصابهم العجب واغتروا بوساوس النفس الجريئة، وهذه سيماء المغرورين، وعلامة الزيغ في دروب التائهين

والقاعدة نبَّه عليها العلماء في هذه المسألة، أن الثواب من الله أثر من آثار رحمته وفضله، والعذاب منه نتيجة طبيعية لحسابه وعدله، قال صاحب جوهرة التوحيد:

فَإنْ يُثِبْنا فَبِمَحْضِ الفضلِ == وَإِنْ يعذِّبْ فبِمَحْضِ العدلِ

ورب قائل يقول: لماذا لا يثيبنا الله بمحض أعمالنا الصالحة، ويدخل الجنة مقابل إحساننا وحسناتنا، والجواب أن الجنة ليس لها ثمن على التحقيق، فأعمالنا مهما علت وحسنت لا يمكنها أن تكون ثمنا للجنة، لأن الأعمال التي يعملها المحسنون لم تكن لتححق إلا بفضل الله وتوفيقه، وجوده وهدايته، يقول تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾الحجرات:7، وقال أيضا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾الحجرات:17.

فالعمل الصالح من العبد ما كان ليكون لولا فضل الله وتوفيقه، قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ هود:88.

ومعنى هذا أن المؤمن لا يجوز له أن يدعي استحقاق الجنة ونعيمها جزاء ما قدمه من عمل صالح في الدنيا، لأنه لو ادعى ذلك لاعتبر أنه مستقل عن قدرة الله، مستغن عن توفيقه ومدده تعالى، وفي ذلك سوء أدب مع الله، وغرور وتطاول على الذات الإلهية، يقول النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا يدخل الجنة أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".

ولذلك فالمؤمن يوقن أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾الزمر:62، وأن أفعال العباد مخلوقة، مفتقرة إلى اختيار الله وتوفيقه قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾الصافات:96، فهو مهيئ الأسباب، ورافع الموانع، ولولاه ما صلى أحد ولا صام ولا تصدق.

ونستحضر في هذا المقام قصة المرأة التي قامت في ظلمة الليل وبعد أن صلت ما شاء الله أن تصلي مدت أكف الضراعة إلى ربها وهي تقول: «إلهي بحبِّكَ لي إلا غفَرْتَ لي». فسمعها أحدهم، وقال لها: ومن أين علمتِ أن الله يحبك؟ قالت: «لولا محبته ما أقامني وأوقفني بين يديه أصلي».

وليس معنى هذا أن نترك العمل ونقصر في الطاعات، ونتعلق برحمة الله دون عمل، فالعمل مطلوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين﴾ الأعراف:56، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾الأعراف:156.

والخلاصة:

إن من علامةِ تعويلِ العاملِ على عملِهِ، وركونِه إليهِ نقصانَ رجائه في الله عند وجود الزلل والمعصية، أو زيادةَ رجائه عند زيادة الطاعة والعمل، فهو في الحالتين يقع فريسة التعلق بنفسه وتقديس عمله وجودا وعدما، عوض أن يتعلق بالله المنعم الموفق، وهي رسالة من ابن عطاء الله تعمل على تنشيط سير السائرين إلى الله في الطاعات وأعمال البر والخير، لتكون هممهم عالية، معتمدة على فضل الله، وسابق علمه، لا على الأعمال وحُجبها، يطمعون في رحمته تعالى، ويعملون بمقتضى التكليف، إذا عملوا حسنة حمدوا ربهم، وإذا وقعوا في ذنب استغفروا الله القائل: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾الشورى:25.