الدكتورة حنان بنشقرون: عضو المجلس العلمي المحلي بالرباط
بسم الله العلي الذي قال في كتابه العزيز تعظيما لشأن شأن النبي المصطفى ﷺ: “إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِالْحَقِّ بَشِيراٗ وَنَذِيراٗۖ” (البقرة: 118)، والحمد الله القدير الذي من علينا ببعثة هادي الخلق فقال:
“كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاٗ مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمُۥٓ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ” (البقرة: 150)
ونحن نعيش هذه الأيام المباركة في هذا الشهر الفضيل، شهر ربيع الأول الذي عرف أعظم حدث في تاريخ البشرية جمعاء.. حدث أشرقت بنوره الأرض والسماء.. فبدد ظلامها ضياء.. وشقائها سعادة.. وظلمها عدلا.. وخوفها أمنا.. وضلالها هداية..
وهو ما يمتن به علينا الله تبارك وتعالى بقوله: لَقَدْ مَنَّ اَ۬للَّهُ عَلَي اَ۬لْمُومِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاٗ مِّنَ اَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٍۖ (آل عمران 164).
إن ذكرى المولد النبوي الشريف هي مناسبة وفرصة لكل مؤمن كي يتذكر اصطفاء الله عز وجل للنبي المصطفى من بين كل الخلائق، وإصطفاءَه لنا من بين كثير من الخلق لنكون من أمة المصطفى ومن أتباعه، ولا شك أن الفرح بهذا الانتساب يجب أن يتناسب مع ما يستحقه من محبة واتباع لنهج المصطفى، وإلتزام بهديه. وعن الفرحة بهذه الذكرى والبهجة بهذا الاصصطفاء يقول شاعر بلاد الرافدين وليد الأعظمي:
فوق المنابر يا بلابل غرّدي في مولد الذكرى وذكرى المولدِ
يا ليلة الذكرى بهاؤك ساطع وأريجُك الفوّاح يعبق في الندي
من مولد المختار أشرقت المنى وتقشعت سحب الأذى المتلبدِ
واهتزت الدنيا سرورا وانتشت بالمُرشد الهادي لأعذب موردِ
يا سيد الرسل هذا يوم مولدكم كأنه لابتداء الخير ميقاتُ
يوم به القلب مغمور بفرحته ويعمر القلبَ تسبيحٌ وإخباتُ
ونحن في غمرة إحياء ذكرى مولد خير البرية ﷺ، لا بأس من أن نطرق باب بيت النبي ﷺ ونستأذنه لنعيش معه لحظات إيمانية ربانية.. ملؤها الحب والدفء.. مفعمة بالمودة والرحمة.. عبقة بروح السكينة والسعادة.. عسانا حين نعود أدراجنا إلى بيوتنا نغير من طريقة تعاملنا.. ونصحح بعضا من أخطائنا.. ونزيد في جرعة الحب لأزواجنا.. ونمرر لمسة حنان إضافية على أبناءنا..
ولم لا ونحن ما ندرس سيرته ﷺ إلا لاتخاذها نبراسا ينير طريقنا.. وهديا يضبط تصرفاتِنا.. منهاجا يوصلنا إلى جنة ربنا؟
أليس الله سبحانه وتعالى قد بعث الحبيب ﷺ بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؟
ألم يقل لنا رب العزة: وَمَآ ءَات۪يٰكُمُ اُ۬لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَه۪يٰكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْۖ (الحشر:7) ؟؟
فما الذي أتانا به الحبيب ﷺ مما من شأنه أن يحيل بيوتنا بيوتا مستقرة هنيئة؟ وحياتنا حياة طيبة سعيدة؟؟
لعلنا لا نستطيع معرفة ذلك إلا إذا دخلنا بيت النبوة من بابه الواسع، وأمعنا التأمل والنظر.. وحاولنا الفهم والإدراك.. ثم اجتهدنا في التفسير والتأويل.. لنعمل بعد ذلك على التطبيق والتنزيل.
الرسول ﷺ في بيته خدوما:
ولنبدأ مع الرسول ﷺ في بيته، فها هو إمام المرسلين وسيد النبيين وأفضل العالمين، كان يجاهد في سبيل الله ما يجاهد، ويلاقي من الأعداء ما يلاقي، ويحمل من هموم الدعوة والناس والحياة ما يحمل، فإذا عاد إلى بيته ارتدى ثوب الزوج الحنون الرحيم، فإذا هو أكرم الناس في بيته، وأكثرهم تبسما وانشراحا مع أهله، وأعذب الخلق كلاما وأحلاهم منطقا..
فنراه مع احترامه مقام النبوة وجلال الرسالة.. وحفاظه على هيبته الفذة ووقاره الكامل بين أصحابه.. مع ذلك كله نجده يساعد أهله في خدمة البيت: فيخصف النعل ويرقع الثوب، ويصلح الدلو ويحلب الشاة، ويميل الإناء للهرة حتى تشرب. وقد سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها ما كان يصنع النبي ﷺ في أهله؟ فقالت: ” كانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ“[1]، بمعنى أنه يكون في معاونة أهله ومساعدتهم حتى يحين وقت الصلاة، فيهب لأداء الصلاة الواجبة مع جماعة المؤمنين.
وسئلت أمنا عائشة رضي الله عنها مرة أخرى ما كان النبي ﷺ يعمل في بيته فقالت: “كان يَخيطُ ثوبَه ويخصِفُ نعلَه ويعمَلُ ما يعمَلُ الرِّجالُ في بيوتِهم“[2]. بمعنى أن أعمال البيت في ذلك الوقت لم تكن من اختصاص النساء فقط وإنما كان يشارك فيها الرجال أيضا.
وسئلت رضي الله عنها ثالثة ماذا كان يفعل في بيته فقالت: “كان بشرًا من البشرِ يَفْلِي ثوبَه، ويحلبُ شاتَه، ويخدم نفسَه“[3]. فلا غضاضة إذن من أن يشارك الرجل في أعمال البيت، ويصلح شؤون نفسه أسوة بالنبي ﷺ.
الرسول ﷺ في بيته مرحا:
كان الحبيب ﷺ يحاول أن يدخل السرور والبهجة على أهله، فهو مثلا يركب الحسن والحسين وهما حفيداه وحبيباه، على ظهره إرضاء لهما ..
وكان ﷺ يتلمس الوسائل لإظهار حبه لعائشة واهتمامه بأمرها، فهو مثلا إذا رآها شربت من إناء أخذ الإناء ووضع فمه في موضع فمها وشرب، وكذلك إذا أكلت من موضع أكل منه أو مما جاوره..
وكان يتكئ في حجرها، وربما قرأ القرآن وهو على هذا الوضع تكريما لها وإعزازا لشأنها، ولا عجب فهو رؤوف رحيم بالمؤمنين فكيف به مع زوجاته؟؟
ومن آدابه العالية أنه كان يدخل على قلب زوجته الترويح والتسلية، ويعطيها من الحركة والمتعة ما لا يتعارض مع دين أو خلق، فها هو ذا مثلا يرى فرقة من أهل الحبشة أمام بيته تلعب بالسيوف وتتمايل في حركات رياضية بريئة، فيأذن لها بأن تتكئ على كتفيه وتتطلع إلى لعب هؤلاء، وبعد مدة يقول لها: حسبك، فتقول له لا تعجل، فينتظر مدة ويقول لها: حسبك، فتقول له لا تعجل، وفي الثالثة يقول لها مثل ما قال فتجيبه وقد اكتفت قائلة: نعم وتعود إلى داخل حجرتها.
كانت حياته ﷺ بين نسائه المثل الأعلى في المودة والموادعة، وترك الكلفة وبذل المعونة، واجتناب هجر الكلام ومره، وهو الذي يقول: ” خيرُكُم خيرُكم لِأهْلِهِ، وَأَنَا خيرُكم لِأَهْلِي“[4].
لما كان ﷺ ودودا عطوفا رحيما وكان منصتا جيدا لزوجاته، وهو ما يؤكده إنصاته ﷺ لأمنا عائشة رضي الله عنها وهي تحكي له قصة أم زرع، والحديث كما ترويه كتب الحديث طويل جدا، ومع ذلك لم يضق الرسول الكريم بكلام زوجته ذرعا.. ولم يطلب منها الاختصار حتى لا ينفذ صبره.. ولا أشعرها أنها تثقل عليه بحديث يشغله عن الأمور الكبرى والرسالة العظمى، وإنما انتظر حتى فرغت من حكايتها.. وأصاخ لها السمع بكل تركيز وجدية، ثم منحها الدعم الذي تطلبه والأمان الذي تبحث عنه والثقة التي تحب كل امرأة أن تسمعها من زوجها.
فاللهم صل وسلم وأنعم وأدم على الحبيب المصفى طب القلوب ودوائها ونور العيون وشفائها.
المغاربة وعنايتهم بالسيرة النبوية:
إن السيرة النبوية ليست مجرد روايات تاريخية تناقلها الناس، لا ضابط يحكمها ولا معايير تقيدها ولا غاية مرجوة منها، بل هي روايات مرتبطة بالوحي ممسكة بطرفي القرآن الكريم والسنة الشريفة، تعتمد على النقل الصادق للأحداث والوقائع، ومن ثم كانت دراستُها باعتبارها مادة تاريخية أصيلة تمثل التنزيل العملي لشخصية الإنسان المسلم في أبعاده الدينية والعقدية والإنسانية والحضارية.
والمغاربة منذ القدم اهتموا بدراسة علم السيرة النبوية وعلم الحديث الشريف، ولم يتركوا فنا من فنون السيرة إلا كان لهم فيه أثر وبصمة، فألفوا في السيرة والمغازي، والمولد، والأقضية والأحكام، والدلائل والأعلام، والمعجزات، والشمائل والخصائص، كما ألفوا في أسماء الصحابة والكنى والأنساب، واجتهدوا في نظم كل تلك الفنون في قصائد طويلة اتفقت مع مصنفات السيرة في المادة، وتميزت عنها في الصياغة والأسلوب.
كما خلدوا ذكرى المولد بقصائد طوال سميت المولديات، أبدعوا فيها وتنافسوا فيها في مدح الجناب النبوي الشريف.
كما فعل الشاعر مالك بن المرحل أديب العدوتين المغرب والأندس، (ت 699 هـ)، الشاعر الفصيح البليغ، طويلُ النفس ممتده، خمُل ذكره فأنهضَه أدبُه وشعرُه حتى صار في عصره شاعر المغرب بلا مدافع، وأَطبَع شعرائه أسلوبا وأرشقَهم لفظا، وأبلَغهم معنى. يقول احتفاء بمولد خير الورى:
| شوقٌ كمَا رُفعَت نارٌ على علمِ | تشِبُّ بين ضُلوع الضَّال والسَّلِمِ |
| ألُفُّه بضلوعي وهْوَ يُحرقِهَا | حتَّى برانِيَ برياً ليسَ بالقلمِ |
| منْ يشترينيَ بالبُشرَى ويملكُني | عبداً إذا نظََرتْ عيني إلى الحَرمِ |
| دعْ للحبِيبِ ذمَامِي واحتملْ رمقِي | فلـــيْسَ ذا قدْم مــــن ليْـــس ذا قِــدمِ |
| يا أهل طِيبَة طاب العيش عندكمُ | جاورتمُ خيْرَ مبعوثٍ إلَى الأممِ |
| عَاينتم جنَّة الفِردَوسِ عنْ كثبٍ | في مهْبطِ الوحي والآيَات والحكمِ |
| لَنَتْرُكَنَّ لهَا الأوطانَ خاليةً | ونسلكنَّ لَها البيْداءَ في الظُُّلمِ |
| رِكابُنا تَحملُ الأوزار مثقلةً | إلَى محطِّ خطايَا العُرْب والعَجَم |
| ذُنوبنا يا رسولَ الله قد كثرتْ | وقد أتينَاكَ فاستغفرْ لمُجترم |
| ذنبٌ يلِيه علَى تَكْرارِه ندمٌ | فقَدْ مضَى العُمر فِي ذنبٍ وفي ندمِ |
| نَبْكي فَتشغِلُنَا الدُّنيا فتُضحِكُنَا | ولَوْ صَدقْنا البُكَا شِبْنا دماً بدمِ |
| يا ركبَ مصرَ رويداً يلتحِقْ بكُمُ | قومٌ مَغاربةٌ لحمٌ علَى وضمِ |
| فِيهمْ عبَيْدٌ تسُوقُ العِيسُ زفرتهُ | لمْ يلقَ مولاه قد نادَاه في النَّسَمِ |
| يبغِي إليهِ شفيعاً لا نظيرَ لهُ | في الفَضْلِ والمَجْدِ والْعلْياءِ والْكرمِ |
| ذَاكَ الحبيبُ الَّذي تُرجَى شفاعتهُ | مُحمَّدٌ خيْرُ خلقِ الله كلهِّمِ |
| صَلَّى عليْهِ إلَهُ الخَلقِ ما طلَعتْ | شمسٌ ومَا رُفِعَتْ نارٌ عَلَى عَلمِ |
اللهم صل وسلم على حببيك المصطفى ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون
هذه إذن، وقفة لاستمطار أحوال العشق والهيام، ومواقف لإظهار التعظيم والاطمئنان، وسلوك إلى مقام القرب والإحسان، وموعد تتجلى فيه المحبة والإيمان، واعتراف بفضل المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.
وهي لحظات للذكرى لقوله تبارك وتعالى: ” وَذَكِّرْ فَإِنَّ اَ۬لذِّكْر۪يٰ تَنفَعُ اُ۬لْمُومِنِينَۖ ” (الذاريات: 55).
كما أنها لحظات للتغني بالنعمة وشكرها لقوله عز وجل: ” وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثَۖ“. (الضحى: 11).
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
——————الهوامش——————–
[1] – رواه البخاري في صحيحه برقم: 676، كتاب الآذان، باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج.
[2] – رواه الإمام أحمد في المسند، برقم: 24903، في مسند عائشة.
[3] – رواه البخاري برقم: 26194، في مسند عائشة.
[4] – رواه الترمذي في سننه برقم: 3895، في أبواب المناقب على رسول الله ﷺ، باب في فضل أزواج النبي ﷺ، وقال هذا حديث حسن صحيح.




تعليقات