أدب وفن
قصيدة الهمزية «أم القرى» للإمام البوصيري رحمه الله
رشيد حليم
قصيدة الهمزية «أم القرى» للإمام البوصيري رحمه الله
قصيدة الهمزية «أم القرى» للإمام البوصيري رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم وبارك على من بعثه رحمة للعالمين وعلى آل بيته الطاهرين وصحابته الغر الميامين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين
وبعد :
يقول الإمام ابن حجر الهيتمي في مقدمة كتابه المنح المكية:
«فإنه مما يتعين على كل مكلف أن يعتقد أن كمالات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا تحصى ، وأن أحواله وصفاته وشمائله لا تستقصى ، وأن خصائصه ومعجزاته لم تجتمع قط في مخلوق ، وأن حقه على الكمل – فضلاً عن غيرهم ـ أعظم الحقوق ، وأنه لا يقوم ببعض ذلك إلا من بذل وسعه في إجلاله وتوقيره وإعظامه مناقبه ومآثره وحكمه وأحكامه ، وأن المادحين لجنابه العلي، والواصفين لكماله الجلي، لم يصلوا إلا إلى قُل من كُل لا حد لنهايته ، وغيض من فيض لا وصول إلى غايته»[1].
ومن ثم قيل لابن الفارض : لم لا مدحت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ (أي بالتصريح) ، وإلا .. فما نظمه في الحقيقة إلا في محبة الله عز وجل وفي محبته صلى الله عليه وسلم – فقال :
أَرَى كُلَّ مَدْحِ فِي النَّبِيِّ مُقَصِّرَا وَإِنْ بَـالَـغَ الْمُثْنِي عَلَيْهِ وَأَكْثَرَا
إِذَا اللَّهُ أَثْنَى بِالَّذِي هُوَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَمَا مِقْدَارُ مَا تَمْدَحُ الْوَرَى ؟
ولذا كان مدح النبي عند الفحول من أصعب ما يحاولونه ؛ فإن المعاني وإن جلّت دون مرتبته ، والأوصاف وإن كملت دون وصفه. لكن الله جلت قدرته فتق رتق قلوب وأفهام ورفع همما وأقام، ففاضت على ألسن بعض عباده مدائح من النظم الرائق البديع، في أحسن ما يكون من الوزن الفائق المنيع ، فجمعت من مآثره وخصائصه ومعجزاته، ما صيغ صوغ التبر الأحمر ، ونُظِم نَظْم الدر والجوهر. وكان منهم هذا الإمام الأديب الأريب شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري رحمه الله.
الحديث عن قصيدته الهمزية التي سماها أم القرى، تعرض لنفحات الحب النبوي، وتوسل للدخول في دارة المحبين المحبوبين، بمخالطة أنفاس هؤلاء السادة العظام، والتلذذ بقراءة ما خطوه في مدح الجناب الشريف، فحركوا المشاعر وأخذوا بالألباب وكشفوا الأستار، مشيدين بشمائل من بعثه الله تعالى ليتمم مكارم الأخلاق، وجعل محبته فرضا، وإعظامه واجبا وطاعته منجاة، ومدحه وذكر أخباره دينا من الدين.
والبوصيري، وهو من أئمة وأقطاب هؤلاء المحبين ، شفع إبداعَه الأدبي بالمحبة الصادقة للنبي الكريم ناهيك بالتوقير والتعزير، فكان لبردته وقصتها الصيت الذائع والذكر الشائع. ولو لم ينظم غيرها لكفته شرفا.
وإن هذه القصيدة الهمزية توأم للبردة وعِدل لها، لولا ما كان من قصة البردة وبركتها على صاحبها، بشفائه وإنشادها مناما في حضرة النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه.
تقع الهمزية في 456 بيتا، سالت فيها مشاعر ناظمها وحبه وأدبه حبرا على الورق، فما رقى رقيها شعر، ولا طاول سماءها نثر، قياسا على قوله في مطلعها :
كيف ترقى رقيك الأنبياء يا سماء ما طاولتها سماء
ولقد صدق فيه قول شوقي حين قال عنه:
مديحه فيك حب خالص وهوىً وصادق الحب يملي صادق الكلم
تحكي القصيدة إذن في نظم بديع أهم معالم السيرة النبوية، وتجلي خصائصه ومعجزاته صلى الله عليه وسلم، وتتفنن في مدحه والثناء عليه بما هو أهله، ولم يغفل رحمه ذكر الآل الأطهار والصحابة الأبرار، كما لم يفته أن يبث فيها لواعج شوقه إلى بلاد الحرمين، وكان له فيها مع أهل الكتاب مقارعة وحجاج.
وقد نالت هذه القصيدة من الاهتمام ما كان للبردة أو أقرب، فتناولها كثير من أهل العلم بالشرح والتبيان، من أشهرهم الإمام الجوجري والإمام الهيتمي وغيرهما.
هذا وإن للمغاربة عامتهم هياما بهذه الدرة السنية كما لهم بالبردة، مميزتين معا عن سائر شعر البوصيري، ويا لحسنه. فتراهم يزينون بها محافلهم وينشدونها ويحفظونها ويحتفون بها أيما احتفاء. وهذه نتف منها، وإلا ففي قراءتها كاملةً الغَناء والشفاء.
يقول رحمه الله في مطلعها :
كَيْفَ تَرْقَى رُقِيَّكَ الأَنْبِيَاءُ يَا سَمَاءً مَا طَاوَلَتْهَا سمَاءُ
لَمْ يُسَاوُوكَ فِي عُلاَكَ وَقَدْحَـــــــــالَ سَنىً مِنْكَ دُونَهُمْ وَسَنَاءُ
إِنَّمَا مَثَّلُوا صِفَاتِكَ لِلنَّا سِ كَمَا مَثَّلَ النُّجُومَ الْمَاءُ
أَنْتَ مِصْبَاحُ كُلِّ فَضْلٍ فَمَا تَصْـــــــدُر ُإِلاَّعَنْ ضَوْئِكَ الأَضْواءُ
وَمُحَيّاً كَالشَّمْسِ مِنْكَ مُضِيءٌ أَسْفَرَتْ عَنْهُ لَيْلَةٌ غَرَّاءُ
وفي مولده صلى الله عليه وسلم يقول:
لَيْلَةُ الْمَوْلِدِ الذِي كَانَ لِلدِّيـــــــــــنِ سُرُورٌ بِيَوْمِهِ وَازْدِهَاءُ
وَتَوَالَتْ بُشْرَى الْهَوَاتِفِ أَنْ قَدْ وُلِدَ الْمُصْطَفَى وَحَقَّ الْهَنَاءُ
فَهَنِيئاً بِهِ لآمِنَةَ الْفَضْـــــــــــلُ الذِي شُرِّفَتْ بِهِ حَوَّاءُ
يَوْمَ نَالَتْ بِوَضْعِهِ ابْنَةُ وَهْبٍ مِنْ فَخَار ٍمَالَمْ تَنَلْهُ النِّسَاءُ
وَأَتَتْ قَوْمَهَا بِأَفْضَلَ مِمَّا حَمَلَتْ قَبْلُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ
إلى أن يصفه فيقول:
سَيِّدٌ ضِحْكُهُ التَّبَسُّمُ والْمَشْــــــــيُ الْهُوَيْنَا وَنَوْمُهُ الإِغْفَاءُ
رَحْمَةٌ كُلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ وَوَقَارٌ وَعِصْمَةٌ وَحَيَاءُ
كَرُمَتْ نَفْسُهُ فَمَا يَخْطُرُ السُّو ءُ عَلَى قَلْبِهِ وَلاَ الْفَحْشَاءُ
عَظُمَتْ نِعْمَةُ الإِلَهِ عَلَيْهِ فَاسْتُقِلَّتْ لِذِكْرِهِ الْعُظَمَاءُ
وَسِعَ الْعَالَمِينَ عِلْماً وَحِلْماَ فَهْوَ بَحْرٌ لَمْ تُعْيِهِ الأَعْبَاءُ
أَمَعَ الصُّبْحِ لِلنُّجُومِ تَجَلٍّ أَمْ مَعَ الشَّمْسِ لِلظَّلاَمِ بَقَاءُ
سُتِرَ الْحُسْنُ مِنْهُ بِالْحُسْنِ فَاعْجَب لِجَمَالٍ لَهُ الْجَمَالُ وِقَاءُ
لَيْتَهُ خَصَّنِي بِرُؤْيَةِ وَجْهٍ زَالَ عَنْ كُلِّ مَنْ رَآهُ الشَّقَاءُ
أَوْ بِتَقْبِيلِ رَاحَةٍ كَانَ للهِ وَبِاللهِ أَخْذُهَا وَالْعَطَاءُ
ثم يتوسل به قائلا:
يَا رَحِيماً بِالْمُؤْمِنِينَ إِذَا مَا ذَهِلَتْ عَنْ أَبْنَائِهَا الرُّضَعَاءُ
يَاشَفِيعاً لِلْمُذْنِبِينَ إِذَا أَشْــــــــفَقَ مِنْ خَوفِ ذَنْبِهِ الْبُرَآءُ
جُدْ لِعَاصٍ وَمَا سِوَايَ هُوَ الْعَا صِي وَلَكِنْ تَنْكِيرِيَ اسْتِحْيَاءُ
هَذِهِ عِلَّتِي وَأَنْتَ طَبِيبِي لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ فِي الْقَلْبِ دَاءُ
ثم يختم بارعا:
فَسَلاَمٌ عَلَيْكَ مِنْكَ فَمَا غَيْــــــــــرُكَ مِنْهُ لَكَ السّلاَمُ كِفَاءُ
وَصَلاَةٌ كَالْمِسْكِ تَحْمِلُهُ مِـــــــنِّي شَمَالٌ إِلَيُكَ أَوْ نَكْبَاءُ
مَا أَقَامَ الصَّلاَةَ مَنْ عَبَدَ اللَّـــــــهَ وَقَامَتْ بِرَبِّهَا الأَشْيَاءُ
رحم الله الإمام البوصيري، ورفع ذكره وعمنا بفضله وألحقنا بالصالحين من عباده.
[1] المنح المكية في شرح الهمزية، ابن حجر الهيتمي، دار المنهاج، الطبعة الثانية، بيروت 2005، ص 68.




تعليقات